روحانياتسلايدر رئيسية

«الطبلاوي»: واصلت التلاوة «بسجيتي» ورفضت تعلم «النغم» على يد موسيقار الأجيال (حوار)

«كنت حابب أكون على سجيتى وبعبلى».. هكذا بدأ المقرئ الشيخ محمد محمود الطبلاوى، نقيب المقرئين الحالى، وأحد أبرز عمالقة «دولة التلاوة»، معلنا رفضه دعوة الموسيقار محمد عبدالوهاب تعليمه النغم الموسيقي، وهو ما سبب قطيعة بينهما، لولا تدخل الكاتب الساخر محمود السعدنى للصلح بينهما.

أتقن الطبلاوى التلاوة بالفطرة، فلم يكن يعلم أن صوته جميل إلا من الشيخ غنيم في كتاب ميت عقبة، ليتمسك بالأمل في أن يكون قارئا كبيرا، وأكد الشيخ، في حواره لـ«المصرى اليوم»، أنه بات منذ تلك اللحظة مهتما بتحقيق حلمه الذي أصبح واقعا ملموسا في غضون سنوات قليلة.

ويؤكد الطبلاوى أن القرآن أتاح له الاقتراب من الملوك والزعماء، وأن الثروة الحقيقية التي جمعها هي القناعة والأمان وراحة البال، مشيرا إلى أن الإذاعة المصرية لها الفضل على جميع المقرئين، رغم رفضها له عدة مرات.. وأن البهتيمى والمنشاوى أفضل من قرأوا القرآن.. وإلى نص الحوار:

■ اشرح لنا كيف كانت بداياتك مع القرآن الكريم؟

– كنت كأطفال الأجيال القديمة، أتعلم في الكتاب المجاور لمنزلنا بميت عقبة، فأذهب صباحا وأعود قبل الظهر بقليل، ومن حسن حظى أن شيخ الكتاب وقتها وهو الشيخ غنيم، رحمه الله، كان عالما بالأصوات محبا لجمالها، لديه حس عالٍ جدا في اكتشاف المواهب، قادر على الوقوف على اختلاف الأصوات، وكان رجلا يمتاز بالذكاء، ووضع تركيزه معى، يراجعنى ويصحح لى وينصت لصوتى، حتى اختارنى للقراءة على الجميع، يوم الخميس، ووصفنى بـصاحب الصوت الرخيم.. وله الفضل في اكتشافى وتنمية موهبتى، وهى صفة النبلاء الذين يعملون لسعادة البشر، وطلب من والدى الاعتناء بى، وهو ما أخذه والدى على محمل الجد، حتى إنه كان يمنح الكتاب قرش صاغ أسبوعيا، بدلا من الأجر المتداول وقتها وهو «تعريفة».

■ كيف جاءت أولى خطوات انتشارك؟

– استمر التعليم في الكتاب حتى بدأ الناس يحضرون يوم الخميس للاستماع إلى صوتى ثم تطور الأمر وجعلونى أقرأ بالمساجد، ثم طلبونى للقراءة في المناسبات البسيطة، سواء الوفاة أو الأفراح والموالد والحج وغيرها، وبدأ اسمى يتداول بين الناس، بعدما أتممت حفظ القرآن في التاسعة من عمرى، وفى الخامسة عشرة كنت قادرا على إحياء المناسبات بدون خوف، وذاع صيتى في القاهرة، وتوافد الناس على بيتنا للاتفاق على إحياء الحفلات والمناسبات، وسعد أبى بابنه الذي أصبح ملء السمع والبصر، ولم يكن والدى سعيدا للمال، فقد كان ميسور الحال لكنها فرحته بموهبة نجله التي تخطت شهرته الآفاق.

■ ما أول أجر تقاضيته وماذا فعلت به؟

– أول أجر كان خمسة قروش، تقاضيتها من عمدة ميت عقبة، نظير مناسبة بمنزله وقد غمرتنى السعادة فذهبت إلى السوق، واشتريت لحمة وخضارا ودخلت على أسرتى فرحا وقد غمرتهم السعادة بالموقف وقلت لهم «يالا ناكل ونهيص» وبصراحة قضينا يوما جميلا وكانت الأسرة في منتهى الفرح، لأن صغيرهم عزمهم على اللحمة والخضار، وهو الأكل الملوكى في ذلك الوقت، ولم أنس ذلك الموقف السعيد في عيون أسرتى الصغيرة، وأعتبره بداية نجاحى.

■ يقولون إن القرآن يجمع المال والشهرة.. فما رأيك؟

– القرآن يجمع البركة وينير القلوب ويحفظ البشر ويعطيهم الأمان والقناعة، هذه الثروة الحقيقية التي لا فصال فيها، حيث لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال القرآن الكريم، أما المال فله طرق عديدة يمكن جمعه بها فعلا دون مبالغة، القرآن أسعدنى وكرمنى وأعزنى مع الملوك والأمراء والزعماء وأحيانى حياة كريمة سعيدة كلها أمان وراحة بال.

■ كيف أتقنت فنون القراءة؟

– كنت منذ الطفولة مولعا بالاستماع إلى المقرئين في المساجد والمناسبات وبعد أن شجعنى الشيخ غنيم في الكتاب، شعرت بأن هناك شيئا ينتظرنى فداومت على الإنصات إلى كل من يتلو القرآن الكريم حتى أصبحت أتعلم تدريجيا كيفية القراءة، وحدث ذلك دون تعلم في البداية، إلى أن أصبحت حالة خاصة كما قالوا لى قديما عن صوتى، وأقول عن تلك الحالة دائما إننى مطرب على سجيتى و«بعبلى كده»، وهو ما جعلنى أرفض تعلم النغم والسلم الموسيقى، خوفا من تغير تلك الحالة التي ارتبط بها الناس وتحدثوا عنها مؤكدين أن صاحبها له طريقة وأداء مميز لم يسبقه بها غيره وكان يسعدنى كثيرا وصف صوتى بـ«النغم الطبيعى»، لا يحتاج إلى أي تغيير والذى قد يفقده جماله وحلاوته، فحافظت عليه كما هو.

■ كيف تم اعتمادك قارئا بالإذاعة؟

– تقدمت للإذاعة أكثر من مرة وكانوا يرفضوننى بدعوى عدم حفظى لما يسمى النغم الموسيقى وبعد أكثر من محاولة قررت عدم التقدم مرة أخرى وقلت لنفسى: «أنا كده كويس ومشهور والحمد لله وده نصيب»، حتى علم الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب بالأمر فوجدته في إحدى المناسبات التي جمعتنا معا وقال لى سوف أعلمك النغم الموسيقى، يمكن أن تحضر المكتب ونبدأ فورا، لكننى بصراحة شديدة لم أرغب وقلت له «ربنا يسهل» وانصرفت.. وليس هذا تقليلا من شأنه، فقد كنت محبا لحالتى التي جلبت لى الشهرة وحب الناس، فابتعدت عن أي شىء يمكن أن يغيرنى، ولم تكن الإذاعة بالنسبة لى أمرا حيويا فقد كنت أتقدم بناء على طلب الأحباب والأصدقاء لكن بداخلى قناعة بان كل شىء قدر ونصيب.

■ وماذا حدث بعد رفضك رغبة عبدالوهاب لتعليمك النغم الموسيقى؟

– مرت الأيام ولم نلتق لمدة أشهر حتى كتب الراحل محمود السعدنى مقالا يقول فيه: «أين أنت يا طبلاوى.. هل أنت في الأرض أم في السماء؟»، وكانت فحواه عتاب وسؤال عن رفضى تعلم النغم حتى تقابلنا أيضا في مناسبة أخرى أنا والسعدنى، وسألنى عن سر رفضى لكلام عبدالوهاب، خاصة مع وجود عائد مادى كبير من عمل أسطوانات في شركته، سوف تدر دخلا كثيرا غير قبولى بالإذاعة فقلت له: «إنت عايز الحقيقة.. الأستاذ عبدالوهاب شكاك جدا ويحب أن يكون من يتعاملون معه عن قرب بطريقة وشكل وصحة معينة» وضربت له مثلا بأنه يطلب ممن يدخل مكتبه أن يقول كلمة «نون» حتى يكتشف مدى إصابته بالأنفلونزا، وله طقوس في السلام والكلام والجلوس لا تناسبنى، فوجدت السعدنى يضحك بصوت عال وقال براحتك يا مولانا، لكن الحقيقة أن الأمر لم يزعج موسيقار الأجيال، بل توطدت علاقتنا معا حتى أصبحنا من أكثر الأصدقاء ارتباطا ومرت الأيام، وأنا بعيد عن الإذاعة، وفى ذات مرة وجدت الشيخ عبدالفتاح القاضى، وكان رجلا مشهورا بالعلم والثقافة ومن معلمى قراءات القرآن يطلب منى أن أتقدم للإذاعة فقلت له: «أنا قفلت الموضوع ده خلاص»، فأصر بشدة مما جعلنى ألبى رغبته، وبالفعل تقدمت وعندما وقفت أمام اللجنة قلت «بسم الله الرحمن الرحيم.. يا بركة دعاء الوالدين»، وقبل أن أجلس نادانى رئيس اللجنة وقال لى تعالى يا شيخ فذهبت له مستفسرا: «انتوا بتتلككوا».. بادرنى بأننى مقبول بفضل دعاء الوالدين وشهرتى الواسعة، وكان ذلك سنة 1970، ولا يفوتنى أن أذكر الشيخ «خليل حبة» الذي دعمنى أيضا في هذا التوقيت وكان حاضرا للاختبار.

■ بعد اعتمادك رسميا في الإذاعة.. كيف سارت حياتك وهل تغير شىء في طريقتك وأدائك؟

– الإذاعة لها فضل كبير على جميع المقرئين بعد الله سبحانه وتعالى، لأنها ساعدتهم في الانتشار كونها تدخل البيوت والأماكن العامة في شتى أنحاء الدنيا، وكان الشيخ عبدالفتاح القاضى يقول «الإذاعة كسبت الشيخ الطبلاوى» لأنه إضافة لها، أما طريقتى فلم تتغير وسرت كما كنت قبل الإذاعة فهى طريقة وأداء تعودت عليهما وأيضا أحبهما الناس، وهو فضل من الخالق على شخصى.

■ ما رأيك في أجور المقرئين الآن.. والتى قيل إنها صارت أرقاما فلكية؟

– هناك فتاوى ظهرت في هذا الإطار أجمعت على أن المقرئ له أجر نظير احتباس صوته لفترة زمنية معينة، بمعنى أن المقرئ يذهب إلى مكان ويظل وقتا يقرأ فيه فجاءت الفتوى أن هذا الشخص له الحق في مقابل مادى عن تلك الفترة، وأنا شخصيا لم أطلب أبدا أجرا معينا، وأدع الأمر لصاحب الأمر، ولم أرفض شيئا مطلقا، لأن هناك في النهاية أجر من الله سبحانه وتعالى لا يعادله أجر، وبالتالى فأنا راض عن أي شىء وهناك كثير من المناسبات التي ذهبت إليها ولم أتقاض عنها مقابلا، وكنت مرتاحا لدرجة كبيرة.

■ كيف كانت علاقتك بالفنانين والمطربين؟

– في الوقت الذي لم تجمعنى صداقات بمعنى الكلمة بأحد منهم، كانت علاقتى بهم جميعا على ما يرام، ولكن كان منهم من هو دائم الاتصال بى، وفى مقدمتهم السيدة أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ وفريد الأطرش وعدد غير قليل، لكن الذاكرة لا تسعفنى ومعظم الاتصالات دارت حول إشادات منهم بما أقدمه، سواء في الإذاعة أو الحفلات التي كنت أحييها، والتقيت بمعظمهم أكثر من مرة خلال تلك المناسبات، وكما ذكرت لك أن في الزمن القديم كان القرآن الكريم حاضرا في جميع المناسبات وهى كانت ثقافة الشعوب وقتها. الالتفاف حوله سواء في الأفراح أو المآتم وكان المقرئ يمثل شيئا كبيرا وعظيما، خاصة أن الله حبى الوطن بأشخاص عظماء في هذا الإطار، لذلك كنت تجد الجميع محبا لهم، محاولا التقرب منهم.

■ كيف كانت علاقتك بالملوك والزعماء؟

– سافرت إلى دول كثيرة والتقيت برؤساء وملوك، والحمد الله كنت أجد حفاوة في الاستقبال والمعاملة شعرت معها بفخر الارتباط بالقرآن الكريم، فقد جلست بجوار معظم زعماء العرب لم أر منهم إلا كل حب وتقدير، وهى بركة كتاب الله، التي لا يمكن أن أصف فضلها وخيرها الروحى الذي يغمر القلوب بالجمال والسعادة.

■ حدثنا عن قربك من رؤساء مصر.. وما شكل وطريقة تعاملهم معك؟

– بداية لم تجمعنى جلسات مع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، لكن التقيت السادات رحمه الله، كثيرا. والحقيقة أن هذا الرجل كان محبا للاستماع للقرآن الكريم، خاصة من صوت القارئ الراحل مصطفى إسماعيل، وكان يطلبنى للقراءة، عن طريق شقيقه عصمت الذي ربطتنى به صداقة قوية، وكنت دائما أسمعه بين حين وآخر يقول لى: «السادات عايز يسمعك»، خاصة عندما نكون على وشك مناسبة معينة، وقد كرمنى الرئيس السادات عدة مرات ومازلت أتذكر إلى الآن كلمات المديح والتهنئة التي كان يخصنى بها عندما أفرغ من لقاءات يكون فيها حاضرًا، كما حدثنى هاتفيا للثناء على صوتى. والتقيت أيضًا الرئيس الأسبق حسنى مبارك، وهو رجل شعبى وشخصية كويسة على حد علمى وإنسان بجد، وأتذكر أنه طلبنى للقراءة عند وفاة حفيده محمد علاء، وبالفعل قضينا بالقصر الذي يسكن فيه 3 أيام، وأتذكر أنه في ذات المرات كان داخلا الجامع الأزهر بصحبة الرئيس اليمنى الراحل على عبدالله صالح، وقال له: «انت طبعا عارف القارئ الجميل ده.. الشيخ الطبلاوى اللى صوته بيلعلع» فصافحنى صالح بحرارة شديدة وطريقة لطيفة في السلام وتحية المقرئين.

■ من أفضل المقرئين الذين أعجبك صوتهم قديما؟

– يعجبنى كامل يوسف البهتيمى والشيخ محمد صديق المنشاوى، فلكل واحد منهما طريقة ولون مختلف عن الآخر، وأتذكر أن البهتيمى كان صوته قريبا من الشيخ محمد سلامة وهو رجل لم يكن معتمدا في الإذاعة، لكنه كان رائعا بمعنى الكلمة، أما المنشاوى فقد كان رجل خشوع في قراءته صاحب صوت عذب وكان، والله أعلم، له صلة قوية بربنا سبحانه وتعالى، لأنه أثر في الناس بشكل كبير وواضح جدا.

■ ما هي مواصفات المقرئ الجيد من وجهة نظرك؟

– أن يكون قريبا من الله سبحانه وتعالى ويمتاز بالتقوى والسخاء وحب الخير والعطاء ولابد أن يمتاز بحب تقديم الزكاة عن صوته تلك النعمة التي وهبها الله له، ويبتعد عن حب المال، ويكون لديه اليقين بأن القرآن له كرامات لا تعد ولا تحصى.

■ هل تتوقع وجود مقرئين قريبا بنفس كفاءة وإمكانيات أجيالكم؟

– الله أعلم، ولكن نتمنى ذلك فهو أمر بيد الخالق سبحانه وتعالى وليس لإنسان فيه أي تدخل، والحقيقة أن الأجيال القديمة أصبحت رموزا للوطن وهو أمر في غاية الأهمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق